محمد غازي عرابي

693

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

[ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 25 ] وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً ( 25 ) [ الفرقان : 25 ] كل من يكشف عنه غطاؤه يرى السماء تشقق لينزل منها الملائكة تنزيلا ، وإنه لمنظر يجمع بين الروعة والرهبة والهيبة والعظمة والمكاشف يرى السماء تشقق عن المعقولات التي تتشقق بدورها عن العقل الأول الذي يتشقق بدوره عن الحق مركز الدائرة وأس الوجود ، وفي مشاهدة كهذه ينجو الإنسان من شر الحياة الدنيا ويبدأ في العروج في السماوات ، سماء فوق سماء ، حتى يحتل المرتبة التي هي لنبينا روح الوجود محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهي مرتبة القربى والمقام المحمود . [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 26 إلى 27 ] الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً ( 26 ) وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً ( 27 ) [ الفرقان : 26 ، 27 ] الملك يومئذ للرحمن يعني تحقق ما جاء في الحديث القدسي أن رحمة اللّه سبقت غضبه ، أو كما ورد في موضع آخر من القرآن أن رحمته وسعت كل شيء ، فالغضب مؤقت والرحمة عامة وسابقة ، أما كون ذلك اليوم على الكافرين عسيرا فلأن الكافر المحجوب يظل محجوبا ، وحجابه هو العسير ، إذ ما يفيد الإنسان حقا إذا ربح الدنيا كلها وخسر نفسه وربه ؟ [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 28 إلى 29 ] يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً ( 28 ) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولاً ( 29 ) [ الفرقان : 28 ، 29 ] فلان إشارة إلى الخاطر ، وقد وصف في الآية بأنه خليل ، والخليل من تخلل ، وليس يحجب الإنسان عن اللّه إلا خواطره ، فإذا انكشف سرها وعرف الإنسان أمرها ردها إلى أصلها فنجا من النار التي نجا منها إبراهيم وذلك بأن عرف سر النار كما عرفه موسى . أما خذلان الشيطان للإنسان فلأن الخاطر يرافق الإنسان في سعيه في الحياة الدنيا حتى إذا جاءت ساعة العسرة خذله خاطره ، لأن الخاطر ذو مدى محدود ، ولا طاقة له على أن يكون جامعا وعالما بالغيب ومتنبئا بما سيكون . [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 30 ] وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً ( 30 ) [ الفرقان : 30 ] القرآن الدائرة الأسمائية الجامعة ، ولهذا تبعت الآية ما تحدثت عنه الآيات السابقة . فمن لم ينج من الجزئيات إلى الكليات فلن تكتب له النجاة ، والقرآن هو كتاب الكليات الجامع . [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 31 ] وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً ( 31 ) [ الفرقان : 31 ] لا بد لكل نبي من عدو ، إذ الشيء بنقيضه يعرف ، ولقد تحدثنا في كتابنا فتح الوجود قائلين إن في الاعتبار الإلهي وجود أبي جهل وأبي لهب هو مثل وجود أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي اللّه عنهم